عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

423

اللباب في علوم الكتاب

[ أي : يشرح صدره للإسلام ] « 1 » في ذلك الوقت الّذي يهديه فيه إلى الجنّة ؛ لأنه لما رأى أنّ بسبب الإيمان وجد هذه الدّرجة العالية ، يزداد رغبته في الإيمان ، ويحصل مزيد انشراح [ في صدره ] « 2 » ، ومن يرد أن يضلّه يوم القيامة عن طريق الجنّة ، ففي ذلك الوقت يضيق صدره ؛ بسبب الحزن الّذي ناله عن الحرمان من الجنّة والدّخول في النّار . التأويل الثالث : أن في الكلام تقديم وتأخير ، والمعنى : من شرح صدر نفسه بالإيمان ، فقد أراد اللّه أن يهديه ، أي : يخصه بالألطاف الدّاعية إلى الثّبات على الإيمان ، هذا مجموع كلامهم . والجواب عن قولهم أولا : أنه لم يقل في هذه الآية أنه يضلّه ، بل قال : إنّه لو أراد أن يضلّه ، لفعل كذا وكذا ، فنقول : إن قوله في آخر الآية الكريمة : « كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ » تصريح بأنّه يفعل بهم ذلك الضّلال ؛ لأن حرف « الكاف » في قوله : « كذلك » يفيد التّشبيه ، والتّقدير : وكما جعلنا ذلك الضّيق والحرج في صدره ، فكذلك يجعل اللّه الرّجس على قلوب الّذين لا يؤمنون « 3 » . والجواب عن الثّاني : وهو أن قوله : « وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » ليس فيه بيان أن يضلّه عن الدّين ، فنقول : إن قوله في آخر الآية : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ تصريح بأن المراد من قوله : « وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ » هو أن يضلّه عن الدّين . والجواب عن الثالث : وهو أنّه - تبارك وتعالى - إنّما يلقي الضّيق والحرج في صدورهم جزاء على كفرهم فنقول : لا نسلّم أن المراد ذلك ، بل المراد : كذلك يجعل اللّه الرّجس على قلوب الّذين قضى عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وإذا جعلنا الآية على هذا الوجه ، سقط ما ذكروه . والجواب عن قولهم : إنّ ظاهر الآية الكريمة يقتضي أن يكون ضيق الصّدر وحرجه شيئا متقدّما على الضّلال ، أو موجبا له ، فنقول : والأمر كذلك ؛ لأنه - تبارك وتعالى - إذا خلق في قلبه اعتقادا بأنّ الإيمان بمحمّد صلى اللّه عليه وسلم يوجب الذّم في الدّنيا ، والعقوبة في الآخرة ، فهذا الاعتقاد يوجب اعراض النّفس عن قبول ذلك الإيمان ، وهذه الحالة شبيهة بالطّريق الضّيّق ؛ لأن الطّريق إذا كان ضيّقا ، لم يقدر الدّاخل أن يدخل فيه فذلك القلب إذا حصل فيه ذلك الاعتقاد ، امتنع دخول الإيمان فيه فلأجل حصول المشابهة من هذا الوجه ، جاز إطلاق لفظ الضيّق والحرج عليه . وأما الجواب عن التّأويلات الثلاثة فنقول : أما الأوّل : فإن حاصل ذلك الكلام يرجع إلى تفسير الضيق والحرج ، فلمّا كان المراد منه حصول الغمّ والحزن في قلب الكافر ، فذلك يوجب أن يكون ما يحصل في

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 147 .